الجصاص

179

أحكام القرآن

ترى أنه لا ضرورة بالمصلي على الراحلة في فعل التطوع كما لا ضرورة بالمتصدق صدقة التطوع على ما ذكرنا ؟ فلما استويا من هذا الوجه اشتبها في الحكم ، وأما الصلاة في الثوب النجس فغير جائزة إلا في حال الضرورة ويستوي فيه حكم مصلي الفرض أو متنفل ، فلذلك اختلفا . باب دفع الصدقات إلى صنف واحد قال الله تعالى : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) الآية . فروى أبو داود الطيالسي قال : حدثنا أشعث بن سعيد عن عطاء عن سعيد بن جبير عن علي وابن عباس قالا : " إذا أعطى الرجل الصدقة صنفا واحدا من الأصناف الثمانية أجزأه " ، وروي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب وحذيفة وعن سعيد بن جبير وإبراهيم وعمر بن عبد العزيز وأبي العالية ، ولا يروى عن الصحابة خلافه ، فصار إجماعا من السلف لا يسع أحدا خلافه لظهوره واستفاضته فيهم من غير خلاف ظهر من أحد من نظرائهم عليهم . وروى الثوري عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن معاذ بن جبل : " أنه كان يأخذ من أهل اليمن العروض في الزكاة ويجعلها في صنف واحد من الناس " ، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر ومالك بن أنس . وقال الشافعي : " تقسم على ثمانية أصناف إلا أن يفقد صنف فتقسم في الباقين لا يجزي غيره " ، وهذا قول مخالف لقول من قدمنا ذكره من السلف ومخالف للآثار والسنن وظاهر الكتاب ، قال الله تعالى : ( إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) [ البقرة : 271 ] وذلك عموم في جميع الصدقات لأنه اسم للجنس لدخول الألف واللام عليه ، فاقتضت الآية دفع جميع الصدقات إلى صنف واحد من المذكورين وهم الفقراء ، فدل على أن مراد الله تعالى في ذكر الأصناف إنما هو بيان أسباب سنة الفقر لا قسمتها على ثمانية . ويدل عليه أيضا قوله تعالى : ( في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ) [ المعارج : 24 و 25 ] وذلك يقتضي جواز إعطاء الصدقة هذين دون غيرهما ، وذلك ينفي وجوب قسمتها على ثمانية . وأيضا فإن قوله تعالى : ( إنما الصدقات للفقراء ) عموم في سائر الصدقات وما يحصل منها في كل زمان ، وقوله تعالى : ( للفقراء ) إلى آخره عموم أيضا في سائر المذكورين من الموجودين ومن يحدث منهم ، ومعلوم أنه لم يرد قسمة كل ما يحصل من الصدقة في الموجودين ومن يحدث منهم لاستحالة إمكان ذلك إلى أن تقوم الساعة ، فوجب أن يجزي إعطاء صدقة عام واحد لصنف واحد وإعطاء صدقة عام ثان لصنف آخر ثم كذلك صدقة كل عام لصنف من الأصناف على ما يرى الإمام قسمته ، فثبت بذلك أن صدقة عام واحد أو رجل واحد غير مقسومة على ثمانية . وأيضا لا خلاف أن الفقراء لا يستحقونها